محمد المقداد الورتتاني

211

البرنس في باريس

وطال أمد حياتها في الشرف والحضارة . أضف إلى ذلك غرائب الوحش وأجناس الحيوان وأنواع الطير فإنهم يحشرون منها حول قصورهم ما تعز رؤيته ويعسر تذليله ويندر وجوده ويستكثرون منه ، وهم قادرون على تنويع مساكنه وتوسيع مجالاته وإرغاد علوفته وإجادة سياسته وإلطاف حياته . فانظر إلى باريز مثلا كيف وصلت لها المصنوعات الغريبة من بغداد من ساعات مخترعة وجيوش شطرنج نفيسة . ولا بد من حصول بغداد على مكافأة من ملك فرانسا شارلمان من غريب المصنوع وعزيز المقتنى ومن ينبئنا ما هي ؟ ؟ يا ترى ؟ وذلك كله مع بعد الشقة وشاسع المسافة برا وبحرا وعزة أسباب التعارف لذلك السبب . والقيروان جاءتها كذلك من أروبا ومن ملوك السودان ومصر غرائب الهدايا والحيوان مثل الزرافة والفيل . وكلما طال الزمن على المصنوعات كانت أكثر غرابة وأغلى ثمنا لتبدل الأذواق والعوائد وميل أرباب الصنائع إلى ما يناسب العصور الجديدة ، فيعز نظير القديمة مع الحاجة إليها لمعرفة الدرجة التي انتهى إليها العقل وملكة الصنع في الأزمان الغابرة . وهي كما قال المويلحي خبر صادق ولسان ناطق ، تخبر بالعبر ، وتحدث عمن عبر . أما الصور فأمرها قديم وكانت في المنسوجات الفارسية في صدر الإسلام ويرسمونها في جدران المنازل . وكان منها في بيت الإمام مالك وعندما نبهه لها بعض تلامذته أزالها بما يشعر باتخاذ غيره لها جريا على المتعارف . وعبيد الله بن زياد كانت له « البيضاء » دار عمرها بالبصرة ، ولما تم بناؤها دخلها أعرابي وكانت فيها تصاوير ، فقال في شأنها رأيت فيها أسدا كالحا وكلبا نابحا وكبشا ناطحا . ولا يخفى ما في وصفه كل حيوان بالوصف الحقيقي من الرقي لشدة إتقان تصويرها حتى يخالها الناظر تعمل أعمالها الطبيعية . وفي جامع بني أمية بدمشق صور المدن والأشجار بالألوان والذهب . وخمارويه بن أحمد بن طولون بنى مجلسا في القرن الثالث سماه بيت الذهب ، طلى حيطانه كلها بالذهب وجعل فيه مقدار قامة ونصف صورا في حيطانه بارزة من خشب ، معمولة على صورته وصور حظاياه ومغنياته بأحسن تصوير وأبهج تزويق ، ولونت أجسامها بأصناف أشباه الثياب من الأصباغ العجيبة ، ومن بينهن حظيته بوران التي بنى هذا البيت لأجلها وصورها فيه بجانب صورته فكان هذا البيت من أعجب مباني الدنيا . والآمر بأحكام الله